دراسة الرواية الذهنية "حدث أبو هريرة قال..." .

دراسة الرواية الذهنية "حدث أبو هريرة قال..." .


رمزية الشخصيات .

الشخصيات مقوم أساسي من مقومات العمل الروائي. وهي في الرواية تتوزع إلى عدة أنواع: البطل وهو الشخصية المركزية التي تدور حولها الأحداث و تعبر عن أفكار المؤلف و مواقفه من الحياة و الناس ، فهي تحمل عادة رؤية للعالم يسعى الكاتب إلى بلورتها في عمله . و بقية الشخصيات ثانوية و تصنف حسب علاقتها بالبطل اتصالا و انفصالا، و موقعها في برنامجه السردي ( مساعدة أو معرقلة ). و تحظى الشخصيات بعناية خاصة من المؤلف، فهو يتولى تقديمها مستخدما تقنيات روائية متنوعة كالوصف المباشر و التحليل النفسي و الحوار الخارجي و الباطني... و الشخصيات كلها خيالية ليس لها حقيقة واقعية ولا تاريخية خارج عالم الرواية ؛ خلقها المؤلف و حمّلها أفكاره و قناعاته و رؤاه .

1) البطل :

البطل في رواية "حدث أبو هريرة قال..."هو أبو هريرة؛ فالقصة قصته ، وهو يضطلع فيها بدورين أحيانا: الرواية و البطولة. و الشخصيات الأخرى ليس لها وجود مستقل عن وجوده. و هو رمز الإنسان الوجودي الساعي لفهم وجوده و معرفة كيانه و منزلته في الكون و علاقته برب الكون عبر تجارب وجودية عرف فيها أقسى أنواع الحيرة و القلق و الشك و التمزق و الخيبة . و عاش ترددا أليما بين المتناقضات فكانت حياته مأساة بأتمّ معنى الكلمة. فقد أراد المسعدي أن تكون قصته تجسيدا لفهمه الخاص للأدب : << الأدب مأساة أو لا يكون، مأساة الإنسان يتردد بين الألوهية و الحيوانية ، و تزف به في أودية الوجود آلام العجز و الشعور بالعجز: أمام القضاء ، أمام الموت ... >>.

2) الصديق في " حديث البعث الأول":

هو الذي أخرج البطل من حياته بين الأموات ، حياة التقليد و الجمود و التسليم بالمعطى و القناعات الجاهزة التي لم تكن وليدة مغامراته في شعاب الوجود و مسالك الكيان، و هداه إلى وجه آخر من الحياة لا يعرفه . و ما ظهوره في بداية الرواية إلا رمز لظهور الوعي الوجودي في ذات البطل، و بداية المغامرة الوجودية باكتشاف الحسّ. و استجابة أبي هريرة لدعوة هذا الصديق هي استجابة "لدعوة الدنيا دعوة الكون".

3) ريحانة:

هي رفيقة أبي هريرة في تجربة الحس. امرأة متحررة من كل القيود الاجتماعية. كانت سبيّة فأعتقها سيدها بعد أن جنّ بها فتمت لها حريتها. وهي مقبلة على لذّات الدنيا، منفتحة على جمال الوجود، متعلقة بأسطورة "أساف و نائلة" رمز الحب الآثم. إنها رمز اللذة الحسية و يقظة الحس.
عاشرها أبو هريرة فوجد في عشرتها شعورا بامتلاء للكيان، و أدرك أن معنى الوجود يكمن في اللذة الحسية لذلك قال : << فانا أملأ ما
أكون>>.
لكنها في آخر تجربة الحس اكتنفت أبا هريرة فحولت حياته إلى قرار و استقرار، و أصبحت عقبة في طريقه ، و ولدت فيه الملال و الكلال: << دعيني يا هاته فقد كدت أن تقطعي عني سبيلي . فقلتُ : وقد كنتُ بيتا فكرهته. فقال :نعم.>>( حديث الوضع).
ريحانة تمثل وجها من وجوه أبي هريرة المتمرد على القيود، و المقبل على الحس و لذائذ الدنيا لملء كيانه، و الواعي بعجز الحس عن الارتقاء بالإنسان عن مرتبة الحيوانية لأن الإنسان ليس مجرد جسد.

4) الجماعة :

خاض معهم أبو هريرة تجربة العدد رغبة في توسيع كيانه الفرد. و وصفهم فقال: << فأقبلت على أحياء أخرى ذليلة مستكينة عليها أمير عُرُدٌّ مستبدٌّ >>، و قال : << و فِضْنَا أمواجًا مُرْعِدَةً على الأنجاد و الأغوار>>. فهم بدونه ضعف و وهن وذِلّةٌ ، وهم معه قوة جارفة لا تقهر. و أحس أبو هريرة وهو معهم بنوع من التأله و القدرة على تجاوز منزلته البشرية المحدودة فقال:<< و وجدت في الفعل كمثل سكرة الخمرة>>.
ولكنهم سرعان ما انكشفوا له شرا متأصلا في النفوس، و جوعا لا يشبع، و نكرانا للجميل ؛ فخاب أمله فيهم ، و أحس بالخيبة فعاد إلى وحدته و فرديته الضيقة :<< و ارتدت إليّ نفسي ضيقة حسيرة ، و ضلَّ عني كياني>>. هذه الخيبة في الجماعة أكدت مأساة البطل في تمزقه بين ذاته الفردية و ذاته الاجتماعية وهو يبحث عن معنى الوجود .

5) ظلمة الهذلية :

لقيها أبو هريرة في دير العذارى حيث خاض تجربة الروح . و هي امرأة أبت الأنوثة، و تصنعت طبائع الرجال. و ترهبت فرارا من جسدها و تمردا على الشهوة و في ذلك تقول: << و كنت من أيام تيقظي إلى محاسني و نعومة لحمي أدفع الجود بها على الرجال و الوقوع تحتهم و الاستكانة إليهم. فكنت أتناساها و أنفيها... >>. فهي كافرة بإنسانيتها .
إلا أنها لما دخل أبو هريرة الدير أيقظ فيها اللذة الخامدة في عمق الجسد، و أكسبها وعيا بأهمية البعد الحسي في كيان الإنسان، و علّمها أن اللذة لا تغلب، وأن الرهبنة تأله مستحيل و غرور عاقبته ألم. فظلمة هي رمز للعجز عن تجاوز الجسد و ما عودتها إليه بعد رهبانية طويلة إلا ارتداد إلى المنزلة البشرية المحدودة وقد عبرت عنه بقولها: << و هبطنا الأرض >>. إنها وجه من وجوه مأساة أبي هريرة المتردد بين الجسد و الروح.

6) أبو رغال :

هو رفيق أبي هريرة في تجربة الحكمة / المعرفة العقلية . إنّه رمز للإنسان الساعي إلى تجاوز المتناقضات التي يقوم عليها الوجود و التي تتنافى باستمرار فتكون أساسا لمأساة الإنسان الوجودية ( الروح /الجسد – العدم/الكيان – الفرد/الجماعة – الحكمة/الجنون...).و هو أيضا رمز المعرفة التي لم توصل الإنسان إلى إدراك معنى الحياة و سر الوجود، فقد أهدى أبا هريرة قرطاسا و قلما استعملهما في حديث البعث الآخر حيث يقول أبو المدائن:<< ... و أخذ ورقة و ألقاها إليّ فإذا عليها خطوط قائمة و دوائر و نقط سوداء تكبر و تصغر وفي وسط الورقة بياض ناصع. فقلتُ: أطلسم أم عبث؟ قال : بل عنق الزمان و قد ضرب أو استفهام و لا معنى >>. الوجود بدا لأبي هريرة طلسما يعجز عقل الإنسان عن إدراك معناه. إنها حيرة الإنسان أمام لغز الوجود و عجزه عن بلوغ الحكمة التي تحل هذا اللغز. و مثل أبي رغال كمثل أبي هريرة الذي حيرته عبثية الوجود فقال: << شر ما في الدنيا أن الحياة عبث، بل لا أدري لعله خير ما فيها >>.(حديث الحق و الباطل ).
و اهتدى أبو رغال إلى أن الحكمة هي أن يحقق الإنسان " الاعتدال " بين المتناقضات فيكفّ عن التردد بينها و هذا ما سمّاه "السكون"
في قوله :<< إنه ليس كالحركة الدائمة قاتل، و لا كالسكون المحض سعادة و شفاء >>. لكن الاعتدال لا يتحقق إلا بالموت :<< اعتدال الحوت أو الموت >> كما يقول. لهذا أشرف أبو رغال / أبو هريرة على الجنون أي عجز العقل البشري عن حل لغز الوجود، و هذا ما جعل أبا هريرة يقطع تجربة الحكمة :<< فلما خفت على عقلي قلت : لم يبق إلا أن أطلب النهاية >> ( حديث الحكمة ).

6) أبو المدائن :

إنه من خاصة أبي هريرة أي من أصدقائه المقربين. صاحبه قبل البعث الأول و بعده، و روى الكثير من أخباره. و اصطحبه أبو هريرة في تجربة النهاية فكان الشاهد الوحيد عليها. و اسمه يحيل على القرار(المدائن) المنافي للرحيل الدائم الذي كان عليه أبو هريرة بعد بعثه من بين الأموات. لذلك كان ينكر الكثير من أفعال أبي هريرة لخروجها عن المألوف ، كالحفل الذي أقامه في ضيعته مع ريحانة و أصحابهما حين دخل في عبادة الصنمين "أساف و نائلة ". إنه وجه أبي هريرة القديم الراضي بحياته الأولى في مكة قبل خروجه منها. و بالمقارنة بينهما ندرك انزياح أبي هريرة فكرا و سلوكا عن معنى الحياة باعتبارها قرارا و رضا .

0/Post a Comment/Comments